محمد أبو زهرة

3680

زهرة التفاسير

الأمر الأول : كان خطاب اللّه تعالى لمن مع النبي صلى اللّه عليه وسلم لأن تحدى النبي صلى اللّه عليه وسلم وتكذيبه تكذيب لمن اتبعه وآمن به ، وللإشعار بالتعاون التام بينه صلى اللّه عليه وسلم وبين صحبه الأولين الذين هم كالحواريين أنصار عيسى - عليه السلام - إلى اللّه تعالى ، ولأن عليهم التبليغ بعد أن آمنوا ؛ إذ هو جهاد ، وهم المجاهدون الأولون الذين خوطبوا بالجهاد ابتداء ، وهم حملة الرسالة المحمدية من بعده وحاملوها معه صلى اللّه عليه وسلم . وإذا كانوا لم يستجيبوا ويأتوا بعشر سور مثله فقد لزمتهم الحجة ، فوجب عليهم أن يؤمنوا ووجب عليكم معشر المؤمنين أن توثقوا علمكم بأنه من عند اللّه تعالى ، ولذا قال تعالى مخاطبا المؤمنين : فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ( الفاء ) واقعة في جواب الشرط ، واعلموا بالبرهان القاطع الحاسم أنه ما أنزل إلا بعلم اللّه تعالى . وكلمة أَنَّما أداة حصر تنفى وتثبت ، فهي تنفى أن يكون مفترى وأثبتت أنه أنزل بعلم اللّه فليس مفترى عليه سبحانه . وهذا يدل على أن اللّه تعالى بعث محمدا صلى اللّه عليه وسلم به ليكون معجزته الكبرى ودليله على رسالة ربه ، وإن اللّه تعالى معلمكم صدقه ولو كان من غيره ما كان معلمه . الأمر الثاني : هو أن لا إله إلا هو ، لأنه إذا ثبت أن القرآن من عند اللّه وبعلمه نزل ، فيكون ما اشتمل عليه حقا وصدقا ، ومما اشتمل عليه الوحدانية فلا معبود إلا اللّه تعالى وهو العزيز الحكيم . ولقد قال بعد ذلك ، والخطاب للمسلمين فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( الفاء ) لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، أي إذا قامت الحجة على أنه من عند اللّه ، فبايعوا محمدا صلى اللّه عليه وسلم على الإسلام وأخلصوا وجوهكم للّه وأحسنوا ، والاستفهام هنا يتضمن معنى الطلب ، وقال علماء البلاغة : إن أبلغ صيغة تدل على الطلب المؤكد هي الصيغة التي تصدر بالاستفهام مثل : . . . فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ( 91 ) [ المائدة ] ، ومثل فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ